|
مقدمة
تعد
بلاد النوبة من أهم المناطق التاريخية والأثرية في القارة الأفريقية بل
في العالم بأسره، شهد على ذلك المؤرخون والعلماء، بالإضافة إلى الكم
الهائل والإرث العظيم من الموجودات والمخلفات الأثرية بالمنطقة والتي
أذهلت العالم وأعطت بلاد النوبة شهرة ومكانة عالمية ... ومن هنا تنبع
أهمية دراسة تاريخ وحضارة هذه المنطقة.
إلا
انه من المؤسف وبالرغم من غنى هذه المنطقة بالكثير من المخلفات
الحضارية والأثرية وثراءها بالموضوعات والأسرار التي تحتاج إلى التعمق
والفهم، وبالرغم مما تحمل في جوفها من آثار مثيرة ومحرضة للاهتمام
والبحث؛ إلا أن الدراسات والبحوث التي كتبت باللغة العربية عن هذه
المنطقة وآثارها قليلة - إن لم تكن نادرة - مع توفر بعض الدراسات
المكتوبة باللغات الأجنبية، سيما الإنجليزية والألمانية وذلك في شكل
كتب أو مجلدات أو دراسات دورية,
ومن المؤسف أيضاً أن مؤسسات الدولة لم تبد الاهتمام
الكافي بإبراز جوانب الحضارة النوبية المتعددة. ويبدو أن غياب الاهتمام
الرسمي متمثلاً، في إعلامه بتاريخ هذه المنطقة ، تجاوز الدراسة والبحث
إلى قلة العناية بهذه المنطقة برمتها على المستويين التاريخي
والاجتماعي ، بل تعداه في كثير من الأحيان إلى محاولات طمس هوية
النوبيين وإنكار أصالتهم ، ولا يمكن مقارنة الجهود الأجنبية المبذولة
بالجهود المحلية في هذه المجالات. ويصدق هذا الحكم على كافة المستويات
الأخرى وذلك بالرغم من الاهتمام العالمي المتضاعف بالآثار وبتاريخ
المناطق الأثرية وتزايد الاهتمام والاحتفاء بالموجودات الأثرية
التاريخية والحضارية والسعي إلى صونها وحفظها، وإن كان دور المؤسسات
الحكومية في العناية بالتراث النوبي واللغة النوبية على وجه الخصوص
ضعيفاً وغير ذي ذكر ، إلا أن بعض المؤسسات والمراكز العلمية غير
الحكومية بذلت ومازالت تبذل جهوداً مقدرة للحفاظ على الحضارة واللغة
النوبية
، إلا أنه يعاب عليها أنها في معظمها مؤسسات نخبوية ، أو ذات صبغات
سياسية مما حال دون توسيع قاعدة المشاركة فيها ، فهي – مع كثرتها
وتعددها – تعمل منفصلة عن بعضها البعض وتفتقر إلى التنسيق فيما بينها
وكان حرياً بها دمج هذه الجهود المبعثرة هنا وهناك لتتكامل وظائفها
وتستطيع القيام بدور ريادي يفيد كافة شرائح المجتمع ... و مهما يكن من
أمر فإن لهذه المؤسسات جهودها التي لا يمكن إنكارها أو إغفالها.
ونتمنى نحن في (المنتدى
النوبي العالمي)
أن نستطيع جمع هذه الجهود وأن نكون رافداً أصيلاً يصب في بحر من الجهود
النوبية واحدة المجرى والهدف والمصب
...
وقد بدأنا بالفعل العمل نحو تحقيق هذا الهدف
ابتغاء مصلحة النوبة والنوبيين ... ونمد أيادينا لكل من أراد أن يضيف
سطراً في محاولاتنا الجادة لدراسة وتوثيق التاريخ النوبي، وبما أن هذا
العمل في بداياته الأولية نرجو أن يعذرنا الأعضاء والزوار عن أي قصور
قد يعتريه وكلنا آذان صاغية لنسمع
منهم النقد والتوجيه الذي يفيد منه
كل النوبيين بإذن الله ، وقد بذلنا جهدنا لتقديم مادة مختصرة لكنها
دسمة عن تاريخ بلاد النوبة حاولنا فيها بيان كثير من الجوانب المهمة
فيه، وإننا إذ نقدم هذه المادة بنا يقين أننا لم نوف الموضوع حقه ولم
نتناول جوانب عديدة منه، وعذرنا أننا – مهما بلغ بنا العلم- لا نستطيع
اختزال آلاف السنين من التاريخ النوبي الممتد عبر الأزمان في مجلدات
عديدة ناهيك عن باب صغير كهذا ... ويكفي أننا حاولنا رصد بعض الزوايا
والجوانب التي رأيناها بحاجة إلى التدوين ، فأشبعنا بعض الفضول الذي ظل
يدفعنا منذ أمد طويل,
وهذه دعوة مخلصة لجميع النوبيين للالتفات إلى ارثهم
الثقافي والحضاري الممتد عبر الأزمان، والصمود في وجه المحاولات
البائسة لطمس هويتهم وارثهم التاريخي والدعاوى المستمرة لإعادة تشكيل
وتكوين بنائهم الحضاري والثقافي، وذلك بمضاعفة الجهود العلمية بإبراز
دورهم ودعم الجهود والمساعي المبذولة لإحياء التراث النوبي -كل بما
تيسر له - وعدم التقليل من شأن الدراسات أو الآراء التي تطرح حول هذا
الموضوع مهما كانت ضعيفة أو قليلة، كما نأمل ألا يكترث النوبيون إلى
الاتهامات الموجة لهم بالعنصرية
وما يدعيه بعض الحاقدين من أن النوبيين يرفضون باقي الثقافات
والمجموعات العرقية والثقافية.
فالنوبيون هم أكثر المجموعات التي تضررت من العنصرية وتبعاتها ومازالوا
يتعرضون للتهميش الحضاري والإغراق الفكري والثقافي، وختاماً، نتقدم
بالشكر الجزيل لكل الذين شاركوا معنا في جعل هذا الأمر ممكناً ..
الذين لم يبخلوا بوقتهم ومالهم من اجل ان يتحقق هذا الهدف والشكر كذلك
لكل الذين كانوا عوناً لنا بالنقد والتوجيه والإرشاد، وأخيراً، نقول أن
ما سيرد في هذا الباب ليس سوى نقطة من بحر التاريخ النوبي العريق وما
نظنها إلا بداية ونواة لمادة مكتملة عن التاريخ النوبي ستجدونها في هذا
الباب قريباً إن شاء الله.
<<Next>>
|