لعدد رقم: 576 2007-06-25
قراءات:بحث في الجذور (5)
يتكلم الكنوز -كبقية النوبيين- اللغة العربية بجانب اللغة النوبية الأصلية التي يسمونها (الرطان)، وهي لغة غير مكتوبة ويعرفها جميع النوبيين، غير أن هذه اللغة تختلف في لهجاتها من إقليم لآخر، فبينما تؤلف لهجات المحس والسكوت والحلفاويين مجموعة واحدة متشابهة، تؤلف لهجات الكنوز والدناقلة مجموعة أخرى تختلف عن الأولى. وتسمى لهجة الكنوز باسم المتوكي، ومعناها الشمالي. ومن العجيب أن تتفق لهجة الكنوز في أقاصي شمال بلاد النوبة ولهجة الدناقلة في أقصى جنوب النوبة على الرغم من بعد المسافة بينهما، وقد قيل في تفسير ذلك أن الإتصال بين إقليمي الكنوز والدناقلة كان كثيراً ومطرداً بحكم العلاقات التجارية بين مصر والسودان والتي كان الكنوز والدناقلة يتولون أمرها مما ساعد على تقاربهم مع بعضهم.
أورد ماكمايكل (نقلاً عن الشيخ الصاد عيسى أحد زعماء الكنوز في أم درمان سنة 1914) أن قبائل الكنوز تنقسم إلى مجموعتين رئيسيتين: المجموعة الأولى تضم قبيلتين كبيرتين، الأولى هي قبيلة أولاد السيد ونس بن رحمة بن الحسن، الذي تتصل سلسلة نسبه بالفضل بن عبدالله بن العباس؛ ومن أبناء هذه القبيلة إدريس الأكبر وهو جد الملك طنبل حاكم جزيرة ارقو الذي عرفت أسرته فيما بعد باسم ملوك دنقلا. والقبيلة الثانية هي قبيلة الأشراف الرؤساء ويسمون بأولاد تميم الدار الأنصاري ومن أبناء هذه القبيلة (نصر الله) الذي تنتسب إليه قبيلة النصرلاب التي تسكن مع قبائل الشايقية عند الكاسنجر، و(أمير نجم الدين) الذي ينتمي إليه أولاد عمران الذين يعيشون مع قبائل البديرية قرب الأبيض في كردفان. أما المجموعة الثانية من قبائل الكنوز فتضم 27 قبيلة يسكنون صعيد مصر ومناطق متفرقة من السودان (دنقلا، بربر، شندي، الخرطوم، أمدرمان، الخرطوم بحري، النيل الأبيض، الكاملين، وبعض مناطق الفونج).
ولا يختلف كنوز اليوم في أخلاقهم وطباعهم وعاداتهم وتقاليدهم عن أجدادهم، فهم -مثلهم في ذلك مثل كل النوبيين- يقدسون كل ما هو موروث، ويحتفظون بعادات وطباع أجدادهم الذين اشتهروا بالتدين وحب العلم والثقافة والرواية والأدب، وقد كسب الكنوز سمعة طيبة في العالم الإسلامي إبان إمارتيهم الأولى والثانية، وكانوا ممدوحين مقصودين من البلاد الشاسعة والأماكن البعيدة كما ورد ذلك في عدة مصادر.
وأخيراً -قارئي الكريم- قبل أن أختم هذه السلسلة من "بحث في الجذور" والتي استقيتها من مصادر عدة أبرزها "تاريخ دولة الكنوز الإسلامية" لعطية القوصي، و"الذاتية السودانية: دراسة في المكان والإنسان والأحداث" لبركات موسى الحواتي، و"السودان عبر القرون" لمكي شبيكة وعدد آخر من المصادر. أرجو قبل أن أختم هذه السلسلة أن أشير إلى أن المغزى والهدف من نشر هذه السلسلة من مقالات (بحث في الجذور)، هو رسالة متعددة الجوانب: أولاً، التذكير بجانب مهم من تاريخنا الذي لم يحظ بتسليط ضوء كاف عليه ولم يجتذب إليه –حتى الآن- قدراً كافياً من إهتمام المؤرخين لدراسته أو لتوضيح الثغرات الغامضة فيه. فحياة بني الكنز (أو الكنوز حسب التسمية الحديثة) وتأريخ مملكتهم في الشمال كان له تأثير كبير في تاريخ السودان الحديث، ودور مكمل للأدوار المهمة والكبيرة التي لعبتها الممالك السودانية الأخرى المعاصرة لها (مملكة الفونج في سنار؛ والفور في دارفور؛ تقلي والمسبعات في كردفان، والزاندي والشلك في الجنوب). فقد كان للكنوز دور مهم في نشر الإسلام بين قبائل البجة والنوبيين. كما كان لهم دور في انتشاره في ربوع السودان. فللكنوز يعود الفضل في انهيار المسيحية في مملكة مقرة ونهاية دولتها حين استطاعوا الوصول إلى عرش دنقلا في سنة 1323م. فكما ذكر إبن خلدون: فإنه ليس ثمة شك في أن تولي ملك مسلم (كنز الدولة) عرش دنقلا (مملكة المقرة) أدى إلى الإسراع بتحول بقية أهالي النوبة المسيحية إلى الإسلام. ويكفي لإبراز هذا التحول لغالبية النوبيين من المسيحية إلى الإسلام أن كنز الدولة نصر بن شجاع الدين قام في أوائل القرن الثامن الهجري بإنشاء المسجد الجامع في دنقلا على أنقاض كنيسة دنقلا الشهيرة. أما منطقة مريس في بلاد النوبة فقد تحول غالبية أهلها إلى الإسلام على يد بني الكنز مع بداية قيام الدولة الفاطمية في مصر. ويذكر إبن سليم الأسواني أن كثيراً من هؤلاء النوبيين اعتنقوا الإسلام على الرغم من جهلهم باللغة العربية وليس هناك من سبيل إلى تحقيق ذلك إلا أن يكون عرب ربيعة (بني الكنز لاحقاً) تعلموا لهجة النوبيين واستطاعوا بذلك إقناعهم بالدخول في الإسلام ونشر ثقافتهم الإسلامية في منطقة مريس. هذا الجانب المهم من تأريخ السودان لم يجد حظه في المضابط الثقافية والتاريخية السودانية بل يمكن وصفه بأنه مهمش تماماً فيها.
الجانب الثاني لمغزى نشر سلسلة مقالات (بحث في الجذور)، هو التنبيه لأهمية البحث عن الأصول العرقية والثقافية، لما لذلك من دور مهم في تعزيز أواصر الترابط الأسري والإجتماعي. ويخطئ من يظن أن الدعوة للبحث عن الجذور هي دعوة للشتات وإثارة النعرات القبلية. بل أن الأمر على العكس من ذلك تماماً، فالقبيلة مؤسسة ربانية (يا أيها الناس: إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير)، وهي أدعى للإئتلاف ونبذ الإختلاف، ومدعاة للتعارف والتكافل والتعاطف. وقد كانت القبيلة طيلة تاريخ الأمة الإسلامية أساس التنظيم الإجتماعي. فبها انتظمت الهجرات، وأقيمت الأحياء في المدن، وسيرت الجيوش. وما من أمة أهملت أواصر القبيلة إلا تفشت فيها العنصرية والطبقية المادية كما يقول ابن خلدون في مقدمته. وفي البحث عن الجذور (أو في الجذور) بحث عن الذات والهوية التي تتحدد بمعرفتهما العلاقات مع العوالم الخارجية. وفي البحث عن الجذور، إتصال بالمنابع الثقافية (الفنون والآداب واللهجات المحلية) واستمتاع بأحاسيس الإنتماء والتمتع بدفء حياة العشيرة والقبيلة، وتعزيز لمشاعر الإنسان بأنه كائن له أصل، له جذور وهدف، وليس كريشة في مهب الريح تهوي بها حيثما شاءت.
د. عبد العظيم ميرغني